الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

118

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بالنّفس القاتلة ، أي كتبنا عليهم مساواة القصاص . وقد اتّفق القرّاء على فتح همزة ( أنّ ) هنا ، لأنّ المفروض في التّوراة ليس هو عين هذه الجمل ولكن المعنى الحاصل منها وهو العوضية والمساواة فيها . وقرأ الجمهور وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وما عطف عليها - بالنصب - عطفا على اسم ( أنّ ) . وقرأه الكسائي - بالرفع - . وذلك جائز إذا استكملت ( أنّ ) خبرها فيعتبر العطف على مجموع الجملة . والنّفس : الذات ، وقد تقدّم في قوله تعالى : وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ في سورة البقرة [ 44 ] . والأذن - بضمّ الهمزة وسكون الذال ، وبضمّ الذال أيضا - . والمراد بالنفس الأولى نفس المعتدى عليه ، وكذلك في وَالْعَيْنَ إلخ . والباء في قوله : بِالنَّفْسِ ونظائره الأربعة باء العوض ، ومدخولات الباء كلّها أخبار ( أنّ ) ، ومتعلّق الجار والمجرور في كلّ منها محذوف ، هو كون خاصّ يدلّ عليه سياق الكلام ؛ فيقدر : أنّ النّفس المقتولة تعوّض بنفس القاتل والعين المتلفة تعوّض بعين المتلف ، أي بإتلافها وهكذا النفس متلفة بالنّفس ؛ والعين مفقوءة بالعين ، والأنف مجدوع بالأنف ؛ والأذن مصلومة بالأذن . ولام التّعريف في المواضع الخمسة داخلة على عضو المجني عليه ، ومجرورات الباء الخمسة على أعضاء الجاني . والاقتصار على ذكر هذه الأعضاء دون غيرها من أعضاء الجسد كاليد والرجل والإصبع لأنّ القطع يكون غالبا عند المضاربة بقصد قطع الرقبة ، فقد ينبو السيف عن قطع الرّأس فيصيب بعض الأعضاء المتّصلة به من عين أو أنف أو أذن أو سنّ . وكذلك عند المصاولة لأنّ الوجه يقابل الصائل ، قال الحريش بن هلال : نعرّض للسيوف إذا التقينا * وجوها لا تعرّض للطام وقوله : وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ أخبر بالقصاص عن الجروح على حذف مضاف ، أي ذات قصاص . وقصاص مصدر قاصّة الدّالّ على المفاعلة ، لأنّ المجنيّ عليه يقاصّ الجاني ، والجاني يقاصّ المجني عليه ، أي يقطع كلّ منهما التبعة عن الآخر بذلك . ويجوز أن يكون قِصاصٌ مصدرا بمعنى المفعول ، كالخلق بمعنى المخلوق ، والنّصب بمعنى المنصوب ، أي مقصوص بعضها ببعض . والقصاص : المماثلة ، أي عقوبة الجاني بجراح أن يجرح مثل الجرح الّذي جنى به عمدا . والمعنى إذا أمكن ذلك ، أي أمن من الزيادة